
لماذا أفريقيا.. قارة طاردة لأبنائها
بقلم/ علاء الدين محمد أبكر
تملك القارة الأفريقية 30% من احتياطي المعادن في العالم، و60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة. وأنهارها وحدها قادرة على إنارة نصف الكرة الأرضية. ورغم هذا الغنى الفاحش، لا يزال أكثر من 400 مليون أفريقي يعيشون تحت خط الفقر. غادر الاستعمار أراضينا منذ أكثر من سبعين عاماً، لكن النزيف لم يتوقف. بالأمس كان النزيف ذهباً وبترولاً، واليوم صار النزيف “إنساناً”.
قبل أيام فقط كسر آلاف الشباب معظمهم من المملكة المغربية، ومعهم أفارقة من دول مختلفة، السياج الحدودي في سبتة المغربية المحتلة وتدفقوا نحو الجانب الإسباني. مشهد يتكرر كل حين. هؤلاء ليسوا مغامرين، بل شباب كان يمكن لأوطانهم الاستفادة منهم في الإنتاج والبناء مقابل أجر طيب. لكنهم اختاروا الموت في البحر والصحراء على البقاء في وطن لا يرى فيهم قيمة.
اقتصادنا لا يزال أسير المواد الخام
. نبيع الكاكاو باثنين دولار ونشتري الشوكولاتة بعشرين. نصدر النفط الخام ونستورد البنزين والبلاستيك. هذه المعادلة المختلة تجعلنا فقراء في عقر دار الثروة. ويزداد الأمر سوءاً مع وجود 60% من سكان القارة تحت سن الخامسة والعشرين، أي أن لدينا أكبر مورد بشري في العالم وهو إما عاطل أو يعمل في هامش بلا إنتاجية ولا أمل. ويضاف إلى ذلك أن الفساد وحده يكلف القارة 148 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات البنك الدولي، وهو مبلغ كافٍ لبناء عشرات الآلاف من المصانع وتشغيل الملايين.
أما على الصعيد السياسي، فقد ورثت النخب الحاكمة دولة وظيفتها الجباية لا التنمية. لا توجد رؤية لعشرين سنة قادمة، فقط صراع على السلطة كل أربع أو خمس سنوات. وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يحميه وأن الترقية بالواسطة وأن حلمه مسدود، يكون خياره الأول هو الرحيل. وتزيد الطين بلة الحروب والصراعات التي تستهلك نصف ميزانيات بعض الدول، وضعف التكامل الأفريقي الذي جعل تصدير بضاعة من أفريقيا إلى أوروبا أسهل من تصديرها من دولة أفريقية إلى جارتها.
والمفارقة أن أوروبا التي تصرخ في العلن منزعجة من تدفق المهاجرين، هي في باطن الأمر سعيدة بهم. فهي تضمن أيادي عاملة رخيصة للزراعة والمصانع، وتستفيد منهم في الرياضة والدفاع والخدمات. والأجر الذي يحصل عليه المهاجر هناك يعتبر كبيراً مقارنة بما كان سيحصل عليه في بلاده، خاصة أن اليورو الواحد يعادل عشر أضعاف العملات المحلية الأفريقية. وعندما يحول جزءاً من راتبه إلى أهله يصبح ذلك مصدر دخل قومي مهم. لقد تحولت “تحويلات المغتربين” في كثير من الدول إلى ثاني أكبر مورد بعد البترول، وهذه ليست قوة بل شهادة فشل.
إذا استمر هذا الحال، فإن أفريقيا مرشحة خلال العشرين سنة القادمة أن تفقد أكثر من 200 مليون شاب منتج. أوروبا ستشيخ وستحتاجهم، ونحن سنشيخ بلا من يعولنا ولا من يبني لنا. سننتقل من استقلال سياسي إلى ارتهان اقتصادي كامل لحوالات أبنائنا.
والسؤال الآن: ما المخرج؟
أولاً نحتاج قراراً اقتصادياً شجاعاً يقضي بمنع تصدير الخام. كل طن قطن يجب أن يخرج قميصاً، وكل طن بترول يخرج أسمدة وبلاستيكاً. التصنيع الزراعي والمعدني وحده قادر على توفير عشرة ملايين وظيفة مباشرة. كما نحتاج صندوقاً قومياً للشباب يمنح قروضاً ميسرة بلا فوائد مرهقة لكل من لديه فكرة مشروع، حتى نحول “قوارب الموت” إلى “ورش إنتاج”.
ثانياً، لا نهضة بلا دولة مؤسسات. نحتاج تداولاً سلمياً للسلطة واحتراماً للدستور، ومحاربة فساد بلا استثناءات. عندما يرى الشاب وزيراً في السجن بسبب السرقة سيستعيد ثقته في وطنه. ونحتاج لامركزية حقيقية تنقل التنمية من العاصمة إلى الأقاليم.
ثالثاً، يجب إعادة هيكلة التعليم. سبعون بالمئة مناهجنا يجب أن تتحول إلى تعليم فني وتقني وزراعي. لا نريد مليون خريج نظري عاطل، نريد مليون فني ومبرمج ومزارع حديث.
رابعاً، على المستوى القاري يجب تفعيل منطقة التجارة الحرة الأفريقية فوراً وإزالة كل الحواجز الجمركية. سوق بمليار وأربعمئة مليون إنسان كافٍ لقيام صناعات عملاقة. ونحتاج مشروعات بنية تحتية كبرى تربط القارة بطرق وقطارات حتى تتحرك البضائع والإنسان.
وأخيراً، مع أوروبا نحتاج شراكة جديدة تقوم على “الهجرة الدائرية” بعقود محترمة تحفظ الحقوق، مقابل استثمارات أوروبية حقيقية في المصانع داخل أفريقيا. لا نريد صدقة ولا معونات، نريد مصنعاً.
لقد انتهى زمن شماعة الاستعمار. الكرة الآن في ملعبنا. أوروبا نهضت لأنها استثمرت في الإنسان أولاً، ونحن نملك مورداً بشرياً وطبيعياً لا تملكه أي قارة. إذا لم نوفر لشابنا كرامة وأجراً عادلاً ومستقبلاً واضحاً، فسيبحث عنه في أي مكان حتى لو كلفته حياته. أفريقيا لن تنهض إلا عندما تتوقف عن طرد أبنائها، وتبدأ في احتضانهم والاستثمار فيهم.

