الآراء والمقالات

الغرب يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة… وفي الشرق نسخر منهم

الغرب يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة… وفي الشرق نسخر منهم

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

أدرك الغرب منذ زمن أن الإنسان كائن قادر على العطاء، شرط أن يجد من يمنحه “الضوء الأخضر”. فحولوا قصص الضعف إلى ملاحم نجاح، وترجمت السينما والدراما ذلك في أفلام واقعية صارت مناهج تربوية قبل أن تكون ترفيهاً.

مقالات ذات صلة

أما نحن في الشرق، فما زلنا ننظر إلى ذوي الاحتياجات الخاصة بعين الشفقة مرة، وبعين السخرية مرات، ونضيع بذلك طاقات كان يمكن أن تنير أوطاننا.

نماذج غربية صنعت التاريخ رغم التحديات

توماس إديسون: الصمم الذي أنار العالم
طُرد من المدرسة بعد ثلاثة أشهر. وصفه معلموه بـ “المشوش” و”قليل التركيز”. وفي الثانية عشرة أصيب بالحمى القرمزية ففقد نحو 90% من سمعه. ورجحت بعض الدراسات إصابته باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

لكن أمه آمنت به وعلمته في البيت. فقال لاحقاً: “الصمم نعمة، جعلني أركز بلا ضوضاء”.
عمل صبياً في القطار وباع الصحف والحلوى، وأقام معملاً صغيراً في إحدى العربات.
كانت النتيجة 1093 براءة اختراع، منها المصباح الكهربائي العملي، والفونوغراف، والكاميرا السينمائية، وأول محطة لتوليد الكهرباء.
إديسون علمنا أن الإعاقة لا تعني العجز.

ألبرت أينشتاين: العقل الذي غير فهمنا للكون
تأخر في النطق حتى الخامسة. وكان خطه رديئاً ويخلط في ترتيب الكلمات. وصفه المعلمون بأنه “سرحان” و”كثير الأسئلة” و”لا يحترم السلطة”. طرد من مدرسته في ميونخ، ورسب في أول امتحان لدخول الجامعة.

لكنه كان يفكر بالصور ويقول: “كنت أركب الجملة كاملة في رأسي قبل أنطقها”.
فجاءت النظرية النسبية الخاصة والعامة، وتفسير الظاهرة الكهروضوئية الذي نال به جائزة نوبل، ودراسة الحركة البراونية التي أثبتت وجود الذرة.
وعندما فحص العلماء دماغه بعد وفاته عام 1955 وجدوا أن منطقة الفص الجداري المسؤولة عن التخيل المكاني والرياضيات أكبر بـ15% من المتوسط.
أينشتاين أكد أن الفشل في مادة لا يعني غباءً، وأن العقل البشري لا يمكن اختزاله في قالب واحد.

الملك جورج السادس: التأتأة التي صمدت في وجه الحرب
لم يكن مرشحاً للحكم. لكن تنازل أخيه إدوارد الثامن عن العرش عام 1936 دفعه فجأة إلى المسؤولية، وهو يعاني من تأتأة شديدة وخجل.
بمساعدة معالج النطق الأسترالي لايونيل لوج، وقف في 1939 ليلقي خطاب إعلان الحرب العالمية الثانية.
كان صوته متلعثماً، لكنه صار رمز صمود بريطانيا. فحول ضعفه إلى قوة تعاطف بها معه شعبه.

وفي الشرق… أين نحن؟
هذه نماذج من الغرب. فماذا عنا؟
للأسف، لا تزال نظرتنا في كثير من مجتمعاتنا الشرقية قاصرة. نريد “إنساناً كاملاً” لا وجود له إلا في أوهام المتنمرين.

سيدنا موسى عليه السلام: التلعثم لم يمنع الرسالة
سيدنا موسى عليه السلام كان يعاني من التلعثم “التأتأة”، وهو خير دليل أن “العائق” لم يكن يوماً حاجزاً أمام “الرسالة”.

هو بنفسه اعترف بالتحدي وطلب العون من الله:
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي _ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي _ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [سورة طه: 25-28]

وطلب سنداً من أخيه:
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [سورة القصص: 34]
فجعل الله هارون وزيراً له ومعيناً في التبليغ.

ورغم “العقدة” اختاره الله لثلاث مهام عظيمة:
كليم الله: الوحيد الذي كلمه الله مباشرة من دون وحي.
من أولي العزم من الرسل: في أعلى درجات النبوة.
صاحب المعجزات الكبرى: العصا، وشق البحر، والألواح، والمن والسلوى.

الدرس الذي يهزنا: الرسالة لم تكن واقفة على “فصاحة اللسان”. كانت واقفة على صدق القلب، وقوة الرسالة، وتأييد الله.
ولما احتاج سنداً، لم يقل له ربه “اتعالج أولاً ثم تعال”. بل قال: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [سورة القصص: 35]
يعني المجتمع والدعم جزء أصيل من الحل.

أما نحن في الشرق، فما زلنا نقول للشخص “لسانك تقيل” ونسكت صوته، بدل أن نكون له “هارون” الذي يشده.

بكل أسف لم نستفد من قصص القرآن الكريم كما يجب، فصارت الفروض عند البعض عادة لا عبادة.

في المدارس يتعرض الطفل الذي يتلعثم أو لديه إعاقة للسخرية والتنمر.
بل إن هناك من يعتقد أن خط كتابة الطالب يجب أن يكون نسخة من الآلة الكاتبة: مستقيماً، متساوياً. والحقيقة أن خط الإنسان، أياً كان شكله، يكشف شخصيته. يكشف عجلته، وهدوءه، وغضبه، وحتى مزاجه في ذلك اليوم. وكم من كاتب عظيم كان خطه “غير مقبول”؟
مثال لذلك الأديب نجيب محفوظ، والدكتور طه حسين، وحتى العبقري أينشتاين نفسه كان خطه سيئاً. لكن أحداً لم يهتم، لأن الخط وسيلة لإيصال المعلومة، لا غاية في ذاته.
وفي عصرنا الحالي يكاد القلم يختفي. فقد صارت الكتابة حكراً على لوحة المفاتيح والهواتف الذكية. فصارت كل الخطوط متساوية. لا تفرق بين العبقري والكسول. وبالتالي… سوف تختفي قريباً عبارة “هذا خط جميل” و “ذاك خط قبيح”.

وفي بعض البيوت يُخفى الأبناء عن المناسبات، ويُمنعون من التعليم بحجة الخجل.
وتجربة مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة في السودان ما تزال في بداياتها. ففي ثمانينيات القرن الماضي لم تكن في الخرطوم سوى مدرستين: معهد سكينة ومعهد النور. وكان الراحل المذيع محجوب عبد الحفيظ عبر برنامجه “الصلات الطيبة” أحد الأصوات القليلة التي سلطت الضوء على مواهبهم.

بصيص أمل: تجربة مركز الندي
لكن الخير موجود. تشرفت بحضور حفل لمركز “الندي لذوي الاحتياجات الخاصة” بضاحية الحاج يوسف في الخرطوم.
رأيت عملاً احترافياً يقوم به كادر صبور ومؤمن برسالته.
وتحية خاصة للأستاذة ندى عمر مديرة المركز، التي فتحت باب الأمل أمام أطفال رفضتهم المدارس العامة لضيق الصبر عليهم.

مثل هذه المراكز هي الاستثمار الحقيقي. فهي لا تعلم فقط، بل تكتشف. وربما يخرج من بين طلابها من يعيد تجربة إديسون أو أينشتاين، ولكن ببصمة سودانية.

كلمة أخيرة
ذو الاحتياجات الخاصة بشر مواطنين لهم كامل الحقوق، وقد نص القانون على ذلك. وعلى الدولة دعم هذه المراكز وتعميمها، لأن الوطن لا ينهض إلا بسواعد جميع أبنائه.

لا تنظروا إلى المظهر واحكموا على الجوهر. فالإنسان ظاهر وباطن، وكم من باطن عظيم أضعناه لأننا توقفنا عند الظاهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى