من قلب المدينة المحاصرة وزيرة الصحة بجنوب كردفان في حوار بالغ الاهمية

أ/ جواهر أحمد سليمان هي بالفعل جوهرة العمل الدؤوب والإنساني في ولاية جنوب كردفان، وهي كذلك رمز المرأة القوية الصامدة، التي ظلت في مدينة كادوقلي رغم الحصار ورغم الجوع والمرض، موقع جنوب كردفان نيوز التقى بها لتملك جماهير الشعب السوداني حقائق الحصار والانتصار .
في أول حوار لها وزيرة الصحة والرعاية الاجتماعية ولاية جنوب كردفان، تكشف الكثير والمثير عن كواليس حصار كادوقلي والعمل تحت ازيز الطائرات المقاتلة ، والجوع والمرض المميت، وكذلك المدافع الطائشة، فإلى مضابط الحوار:
جواهر أحمد سليمان لأهل جنوب كردفان: صبركم لم يذهب هدرا ولن نتخلى عنكم
اعد الحوار مصطفى عمر

أستاذة جواهر، لنبدأ من الميدان. كيف تقيمين وضع القطاع الصحي في جنوب كردفان اليوم بعد سنوات من العمل المتواصل؟
الحمد لله، ورغم الظروف القاسية، مضينا وسنمضي وفق مبدأ “الصحة لا تحتمل التأجيل”. ركّزنا على إعادة تأهيل المراكز الصحية في المحليات المستقرة، وتأمين الأدوية المنقذة للحياة، بالتنسيق مع الوزارة الاتحادية والمنظمات الشريكة، وإعادة تشغيل بعض العمليات الجراحية الباردة في مستشفى كادوقلي التعليمي. كان التحدي الأكبر في استقرار الكادر الطبي، فعملنا على تثبيت الأطباء والممرضين في بيئة عمل تحفظ كرامتهم. إنجازنا الحقيقي لا يكمن في المباني، بل في أن مواطن كادوقلي والمناطق المجاورة بات يجد نقطة علاج قريبة دون أن يقطع مئات الكيلومترات للحصول على خدمة بسيطة.
لا يمكن الحديث عن جنوب كردفان، دون التوقف عند سنوات حصار كادوقلي. كيف كان العمل الصحي تحت الحصار؟
كانت تلك أصعب مرحلة في مسيرتي المهنية والإنسانية. عملنا بمبدأ “المتاح والممكن”. أُجريت العمليات الجراحية على أضواء الهواتف، وقسمت المحاليل الوريدية بين أكثر من مريض، ولم ينم الكادر الطبي لأيام. لكن صمود المواطن كان درساََ لنا في الصبر والثبات. كنا نواصل العمل والقذائف تتساقط فوق رؤوسنا، لأن توقفنا يعني موت المرضى في منازلهم،كما ان الحصار علمنا أن إدارة الأزمات لا تكون من المكاتب المكيفة فقط ، بل من الميدان وبعرق الجبين. أي وزارة صحة وتنمية اجتماعية تُقاس بامتحانها في الحرب، ونحن اجتزنا الامتحان بأن منعنا انهيار المنظومة الصحية كاملة.
شهدت الفترة الأخيرة هجوماََ من بعض الأقلام والمنصات من خارج السودان على أدائكم. ما تعليقك؟
من كان بعيداََ عن النار لا يشعر بحرارتها، ومثلنا السوداني يقول الجمرة بتحرق الواطيها . أنا لا أرد على الأقلام ، بل أرد بالعمل على الأرض. يكفيني فخرا أنني لم أغادر كادوقلي يوماََ واحداََ أثناء الحصار، تقاسمت مع المواطنين ضيق العيش، أكلنا البليلة(الذرة المسلوقة) معاََ، وبكينا على الشهداء معاََ. النقد البنّاء نقبله ونبني عليه، أما التخوين والتشكيك الصادر من مكاتب بعيدة فلا قيمة له عندنا هكذا علمتنا أدبيات الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، واعتقد ان المواطن البسيط في الريف يعرف جيداََ من وقف معه ومن اكتفى بالكلام والفرجة .
يمتد ملف التنمية الاجتماعية لديكم ليشمل الغذاء والمواد التموينية. حدثينا عن هذا الجانب، ولماذا التركيز على النساء والأطفال؟
لأن الحرب تقتل مرتين: مرة بالسلاح ومرة بالجوع والمرض. بند الرعاية الاجتماعية ليس ترفاََ، بل هو صميم عمل الوزارة. أي طفل مصاب بسوء التغذية هو مريض يحتاج إلى علاج قبل أن يحتاج إلى الغذاء العلاجي. لذلك ربطنا بين برامج التغذية العلاجية والعيادات المتنقلة، وأنشأنا مراكز لإيواء الأمهات الحوامل والمرضعات.
أما التركيز على النساء والأطفال فليس مجاملة، بل ضرورة. المرأة في جنوب كردفان هي عماد الأسرة والزراعة والتعليم، ووفاة الأم تعني تفك الأسرة بأكملها. لذا تنطلق برامجنا من محور الأم والطفل وهذا يعني التطعيم، متابعة الحمل، توزيع المواد التموينية للأسر المتعففة، ودعم الناجيات من العنف. الغذاء والدواء وجهان لعملة واحدة، ولا صحة دون غذاء.

كلمة أخيرة توجهينها لأهل جنوب كردفان وللسودانيين عموماََ؟
أقول لأهلنا في جنوب كردفان: صبركم لم يذهب هدرا، وكل قطرة عرق ودمعة عملنا على تحويلها إلى خدمة. لم نعدكم بالجنة، لكن وعدناكم وسنعدكم بألا نتخلى عنكم.
وأقول للسودانيين كافة، الوطن لا يُبنى بالشتيمة والكراهية والانقسام. على كل فرد أن يحمل الملف الذي يتقنه ويعمل فيه بضمير. لقد حملت ملف الصحة والرعاية الاجتماعية في أصعب بقعة، وعملت عليه وأنا مؤمنة بأن السودان سينهض من جديد.
وجنوب كردفان جزء أصيل من قلب السودان، ومنها ستبدأ قصة التعافي.

