
التنوع مصدر قوة… والأرجنتين افتقدته
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
في زمن صار فيه العالم “قرية صغيرة”، لم يعد منطقياً أن نعيش داخل قوقعة عرق واحد أو لون واحد أو ثقافة واحدة.
والأمم التي فهمت هذه الحقيقة مبكراً، تفوقت.
وأبلغ مثال على ذلك: كرة القدم.
فهي ليست 11 لاعباً فقط، هي مختبر حي يُثبت أن التنوع مصدر قوة لا ضعف
أولاً: كرة القدم وتثليث القوة
تقوم كرة القدم الحديثة على 3 عناصر لا غنى عنها:
1. القوة البدنية 2. المهارة الفنية 3. الذكاء الفطري
ونادراً ما تتوفر هذه الثلاثة في منتخب واحد إذا كان مغلقاً على عرق واحد.
لذلك نجد المنتخبات التي تنعم بالتنوع العرقي هي التي سيطرت على العالم.
البرازيل: خليط من الأوروبي والإفريقي والهندي، فأنتجت “السامبا” التي حكمت الكرة لعقود.
فرنسا : من إفريقيا والكاريبي وشمال إفريقيا وأوروبا، فتوجت بكأس العالم مرتين.
السعودية وجنوب أفريقيا: نماذج أثبتت أن تعدد الأعراق داخل الوطن الواحد يمنح المنتخب عمقاً فنياً وبدنياً.
حتى المنتخبات التي كانت تُعرف بـ “النقاء العرقي” مثل ألمانيا واليابان كسرت هذا الحاجز، وفتحت أبوابها للاعبين من أصول مختلفة، فزاد رصيدها الفني والبدني.
ثانياً: الأرجنتين… افتقدت التنوع فدفعت الثمن
المنتخب الأرجنتيني هو الحالة الاستثنائية.
هو المنتخب الكبير الوحيد الذي ظل لعقود طويلة مغلقاً على لعرق الأوروبي مع نسبة قليلة جداً من “الهنود الحمر”.
النتيجة؟
أجيال من المهارة والفكر، ولكنها افتقدت كثيراً للتنوع البدني والانفجاري الذي يمنحه الدم المختلط.
أصابها “العقم الفني والبدني” في فترات كثيرة، رغم وجود أساطير مثل مارادونا وميسي.
الأرجنتين تحتاج اليوم إلى الانفتاح وتقبل الآخر.
تحتاج أن تستفيد من كل ألوان شعبها، ومن المهاجرين، ومن أبناء الجاليات.
فالتنوع الذي سينصب في كرة القدم سينعكس قوة وإبداعاً وسيطرة.
ثالثاً: إسبانيا… كسرت العقدة فتوجت
خير مثال على التحول هو منتخب إسبانيا
كسر العقدة النفسية وسمح للاعبين من أعراق مختلفة بارتداء قميص “الماتادور”.
اليوم نجد لامين يامال ذو الأصول المغربية العربية الأمازيغية، بجانب نيكو ويليامز ذو الأصول الغانية.
هؤلاء لم يضعفوا إسبانيا، بل منحوا الكرة الإسبانية “المزيد من الجمال الفني والمهاري والسرعة” التي كانت تفتقدها.
فالدم الجديد أعطى الفكر القديم حياة جديدة.
رابعاً: التنوع لا يقف عند خط التماس
التنوع لا ينحصر في كرة القدم. هو قانون حياة.
حتى *الطب الحديث* حذر من “زواج الأقارب” وأوصى بالتنوع، لأن الانغلاق الجيني ينتج أمراض الإعاقة والضعف.
بينما التنوع ينتج مناعة وصحة وقوة.
وفي هذا رد شافٍ لدعاة العرقية والعنصرية وأصحاب النظرة الضيقة في “النقاء العرقي”.
ففي التنوع قوة، وفي الانغلاق ضعف.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة قبل 1400 عام:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
المنتخب الأرجنتيني مثال للعديد من المجتمعات التي ترفض فكرة التنوع وتكتفي بالعيش في نطاق نمط عائلي أو عرقي واحد.
فات عليهم أن كلنا من آدم، وآدم من تراب
الأمم العظيمة هي التي تصهر أعراقها في بوتقة واحدة.
تأخذ من هذا قوته، ومن ذاك ذكاءه، ومن الثالث مهارته.
فتخرج في النهاية بمنتخب… بوطن… بحضارة لا يُقهر.
فالتنوع ليس ترفاً. التنوع ضرورة. والتنوع هو القوة.

