الإنسانية والمجتمع

التعدين العشوائي في السودان بين المخاطر والمكاسب

*مخاطر التعدين الأهلي عن الذهب*

التعدين الأهلي للذهب هو استخراج الذهب بطرق بدائية خارج الإطار الرسمي للشركات المرخصة. ينتشر كثير في السودان، خاصة في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية وجنوب كردفان. رغم أنه مصدر رزق لآلاف الأسر، إلا أن مخاطره كبيرة على الإنسان والبيئة والاقتصاد.

الصورة توضح خطراً جسيماً يحدث في مناجم الذهب بمنطقة أم فكرون، جنوب كردفان – بعد المقينص. المعدنون يواصلون الحفر بشكل عشوائي، ثم يفتحون أجنحة داخل الأرض دون أي احتياطات، مما يتسبب في انهيار الأرض ويؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح. يجب على الجميع توخي الحذر والالتزام بطرق التعدين الآمنة. نسأل الله السلامة لجميع المعدنين.

من أخطر ما يواجه المعدّنين هو التسمم بالزئبق، فالطريقة الأشهر لاستخلاص الذهب هي خلط الخام بالزئبق الذي يتبخر عند الحرق ويستنشقه المعدّن، مما يسبب تلف في الجهاز العصبي، فشل كلوي، رعشة، فقدان ذاكرة، وتشوهات للأجنة عند النساء الحوامل. بعض المعدّنين يستخدمون السيانيد وهو أخطر، فجرعة صغيرة منه قاتلة فوراً، ولو تسرب للمياه يقتل الثروة السمكية والحيوانية. كما أن تكسير الصخور يطلق غبار السيليكا الدقيق الذي يسبب مرض “السيليكوسس” أو تليف الرئة، وهو مرض غير قابل للعلاج وينتهي بالموت خنقاً بعد سنوات. الحفر العشوائي بدون دعامات أو تهوية يسبب انهيارات مفاجئة تدفن المعدّنين أحياء، كما يحدث الآن في أم فكرون، وحوادث الموت الجماعي متكررة في مناجم “جبل عامر” وغيره. إضافة إلى ذلك لا توجد خوذ، أحذية سلامة، أو إسعافات، فإصابات التكسير والحرق والانفجارات شائعة جداً.

أما بيئياً، فمخلفات الزئبق والسيانيد تُرمى في الأودية والخيران وتصل للمياه الجوفية وآبار الشرب، وتسمم الإنسان والحيوان والمحاصيل. الحفر العشوائي يقلب ملايين الأطنان من التربة ويترك حفر عميقة تشوه الأرض وتقتل الغطاء النباتي، فلا تصلح الأرض للزراعة أو الرعي بعدها. حرق خليط الزئبق مع الذهب ينشر أبخرة الزئبق في الهواء لمئات الكيلومترات، وأصبح السودان من أكثر الدول تلوثاً بالزئبق بسبب التعدين الأهلي. كما تموت الإبل والأغنام عندما تشرب من البرك الملوثة بالمخلفات، وهذه خسارة كبيرة للرعاة.

اجتماعياً وأمنياً، مناطق الذهب تجذب مجموعات مسلحة وتهريب، والتنافس على الآبار يسبب قتال قبلي متكرر يسقط فيه ضحايا كثر. ترك آلاف الأطفال للمدارس والعمل في “الكرتة” وغسل الذهب يعرضهم للزئبق والاستغلال ويضيع مستقبلهم التعليمي. تنتشر المخدرات والدعارة والجرائم في تجمعات التعدين بسبب الفلوس السريعة وغياب القانون. ومعظم ذهب التعدين الأهلي يُهرّب خارج القنوات الرسمية، فالدولة تخسر عائدات ضخمة كان ممكن تدخل خزينة البلد.

اقتصادياً على المدى الطويل، الاستخلاص البدائي يطلع 30%-40% فقط من الذهب في الحجر والباقي يترمي مع المخلفات ويضيع للأبد. الاعتماد على التعدين الأهلي يبني اقتصاد لحظي، فعندما يخلص الذهب ترجع المنطقة أفقر من الأول لأن الأرض اتدمرت والزراعة ماتت. كما ترتفع أسعار الأكل والسكن في مناطق التعدين، ويتضرر السكان الأصليين اللي ما عندهم شغل في الدهب.

التعدين الأهلي يحل مشكلة الفقر اليوم لكن يصنع كوارث صحية وبيئية للأجيال الجاية. الحل ما المنع الكامل لأنه باب رزق لناس كتير، بل التقنين: تدريب المعدّنين على طرق استخلاص بدون زئبق، إلزام استخدام دعامات للآبار ومنع “الأجنحة” العشوائية، توفير معدات سلامة رخيصة، إلزام الشركات تشتري منهم بسعر عادل، ورقابة بيئية حقيقية على مواقع الطحن والحرق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى